متلازمة كابغراس
عندما تغدُو الملامح المألوفة مجرد غلاف للغرباء
"أخطر الأكاذيب ليست تلك التي يقولها الآخرون... بل تلك التي يخلقها الدماغ ويؤمن بها"
تخيل معي أنك ترى وجهًا مألوفًا إلى حدّ الألم
وجهًا تعرفه قبل أن تفكر فيه...ثم تشعر فجأة أن شيئًا ما لا يطابق الحقيقة
تتعرف على الملامح، والصوت، والحركة
لكن داخلك لا يصدق ما يراه ،كأن من أمامك ليس الشخص نفسه بل نسخة دقيقة منه!!
قد يبدو الأمر وكأنه مشهد من فيلم، لكنه اضطراب حقيقي يُعرف باسم متلازمة كابغراس، وهي حالة نادرة يعتقد فيها الشخص أن أحد المقربين إليه قد استُبدل بشخص مطابق له تمامًا
والغريب...أن المريض لا يفقد القدرة على التعرف على الوجوه
بل يفقد الإحساس العاطفي المرتبط بها
كيف يحدث ذلك؟
لفهم متلازمة كابغراس، علينا أولًا أن نفهم كيف يتعرف الدماغ على الأشخاص
عندما ترى وجه شخص تعرفه، لا يحدث التعرف في جزء واحد من الدماغ، بل تعمل عدة مناطق معًا
تبدأ رحلة التعرف على هذا الشخص من العين أولا حيث تنقل الصورة مباشرة الى القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ، و منها إلى الفص الصدغي السفلي الذي يقوم بتحليل هذه الملامح و مسحها و التعرف على وجه هذا الشخص
رحلة التعرف لم تنتهي هنا، لأن الدماغ لا يتعرف على الاشخاص بأعيننا فقط بل يتعرف عليهم بقلوبنا ..
التعرف العاطفي يعطي لهذه الملامح معنى و إحساس ..
بمجرد رؤيتنا لوجه هذا الشخص و التعرف على ملامحه ترسل القشرة البصرية إشارات فورية نحو اللوزة الدماغية و هي مركز العواطف و المشاعر في الدماغ، وظيفتها هنا إصدار أمر للجهاز العصبي الودي ليطلق إشارات في الجسم ليكون مهيئ فيزيائياً، في نفس الوقت يطلق الدماغ هرمونات أبرزها الاوكسيتوسين و الدوبامين و التي تصنع شعوراً بالدفئ و الالفة و الامان تجاه هذا الشخص
ومن زاوية علم النفس، تكشف هذه المتلازمة حقيقة مثيرة
نحن لا نتعرف على الناس بملامحهم فق….بل بالمشاعر المرتبطة بهم
فعندما ترى شخصًا تحبه، لا يتعرف عقلك على وجهه فحسب، بل يستدعي سنوات من الذكريات، والأمان، والارتباط.
وعندما تنقطع هذه الحلقة
يصبح الوجه مألوفًا...لكن صاحبه يبدو غريبًا!!
وربما لهذا قال عالم الأعصاب الأمريكي أنطونيو داماسيو:
We are not thinking machines that feel, we are feeling machines that think
“لسنا آلاتٍ تفكر ثم تشعر، بل كائنات تشعر أولًا، ثم تفكر”
لكن ماذا سيحدث لو غاب هذا التناغم العاطفي الذي يميزنا كبشر؟
هنا يظهر الخلل البيلوجي: انقطاع تام في سلك التوصيل العصبي بين القشرة البصرية المخية (التي تبقى سليمة عند المريض) و اللوزة الدماغية، و بسبب هذا الانفصال، يعجز الدماغ عن ارسال النبضات الودية إلى الجسم او اطلاق هرمونات الامان، فلا يشعر هذا المريض بأي رابط عاطفي اتجاه هذه الملامح
من هذا التناقض الغريب يُوَّلد الوهم النفسي و يقنع المريض نفسه أن من امامه هو مجرد نسخة مشابهة لأمه او زوجته…و هذه النسخة مخادعة و لا يتوقف الامر عند هذا الحد ..
تخيل معي ان تفقد الامان في من هم امانك…و يرفض دماغك تقبلهم و يحاربهم بعدوانية فقط من اجل حمايتك من هذا الوهم.
هذه الحرب الداخلية لا تَنبع من الفراغ بل تقف خلفها مسببات فيزيائية واضحة تشترك جميعها في إحداث تلف في خلايا الدماغ او قطع تام في مساراته العصبية ، يحصُر الاطباء الأسباب العضوية لهذا الخلل في:
حوادث السير-ضربات الرأس - السكتتات الدماغية -الخرف او الزهايمر - أورام الدماغ
لكن هل تظهر متلازمة كابغراس من تلقاء نفسها؟
ليس دائمًا
في كثير من الحالات تكون مرتبطة باضطرابات أو ظروف نفسية وعصبية تؤثر في طريقة إدراك الدماغ للواقع
فقد تظهر لدى بعض المصابين بالفصام، أو الخرف، أو ألزهايمر، أو بعد إصابات الدماغ والسكتات الدماغية، وهي حالات قد تُضعف الاتصال بين التعرف على الوجوه والاستجابة العاطفية
ورغم أن المتلازمة قد ترتبط بهذه الاضطرابات، إلا أنها ليست موجودة عند جميع المصابين بها، كما يمكن أن تختلف أسبابها من شخص لآخر، لذلك يبقى تشخيصها وعلاجها معتمدين على السبب الأساسي الذي أدى إلى ظهورها.
نحن نظن أن أعيننا ترى العالم...لكن الحقيقة أن الدماغ هو من يكتب القصة الأخيرة…
وإذا اختل سطرٌ واحد في هذه القصة
فقد يصبح أقرب الناس إلينا
غرباء!!
و ينتهي بنا الحال للعيش في وهم داخل اسوارٍ بناها دماغنا دون اي إدراكٍ منا
ليختفي شعور الامان و الحنان…و يطغى علينا شعور الخوف و الرهبة .




بجد مقال رااااائع سلم قلمككك 🙌🏻💓
واااو تحفههه