لن تستطيع معي صبرًا
حين تعجز أعيننا عن رؤية حكمة الله
هناك آيات تقرؤها فتفهم معناها، وآيات تقرؤها فتغيّر طريقة نظرتك للحياة. وكانت هذه إحداها:
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾
سورة الكهف [67-68]
تساءلت بعدها... كم مرة اعترضنا على شيء فقط لأننا لم نفهمه؟
كم مرة ظننا أن تأخر أمرٍ ما، أو فقدان شيء، أو وقوع ابتلاء، كان شرًا مطلقًا، ثم بعد مدة اكتشفنا أن الله كان يحمينا؟
المشكلة ليست دائمًا في القدر….أحيانًا تكون في حدود رؤيتنا نحن
في قصة موسى والخضر، لم يكن موسى عليه السلام قليل الإيمان، بل كان نبيًا كريمًا، ومع ذلك لم يستطع أن يصبر على أفعال رآها بعينيه لأنها خالفت ظاهر المنطق
خرق سفينة وقتلُ الغلام وإقامة جدار في قرية رفض أهلها ضيافتهم
كل موقف بدا في ظاهره غير مفهوم…لكن الحقيقة كانت أوسع بكثير مما رآه موسى
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾
كأن الآية تعلمنا أن الإنسان لا يعترض غالبًا لأنه سيئ... بل لأنه لا يرى الصورة كاملة
ومن المثير للاهتمام أن علم النفس يصف شيئًا قريبًا من هذا،فالدماغ البشري بطبيعته يبحث عن تفسير لكل حدث يمر به وعندما لا يجد تفسيرًا واضحًا، يشعر بعدم اليقين، ويبدأ في ملء الفراغ بالافتراضات، وغالبًا ما تكون افتراضات سلبية
ولهذا نجد أن الإنسان قد يفسر الابتلاء على أنه عقوبة، أو تأخر الرزق على أنه حرمان، أو انتهاء علاقة على أنه نهاية الحياة، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا
الدماغ لا يحتمل الغموض بسهولة،أما الإيمان، فيعلم الإنسان أن ليس كل ما يخفى عنه شرًا
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
سورة البقرة [216]
تأمل آخر الآية
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
هذه ليست مجرد معلومة بل منهج حياة وعندما شرح الخضر أسباب أفعاله، اكتشف موسى أن كل ما بدا مؤلمًا في البداية كان رحمة في النهاية
السفينة خُرقت... حتى لا يأخذها الملك
والغلام مات... رحمةً بوالديه أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا
والجدار أُقيم... حفظًا لكنز يتيمين حتى يبلغا أشدهما
كل حدث كان يحمل رحمة، لكنها كانت مخفية خلف ظاهرٍ مؤلم وهذا يعلّمنا أن الثقة بالله لا تعني أن نفهم كل شيء بل أن نؤمن أن الله يعلم ما لا نعلم
وَلَعَلَّ الَّذي أبطَأ عَنّي هُوَ خَيرٌ لي لِعِلمِكَ بِعاقِبَةِ الاُمورِ
الثقة بالله ليست أن تعرف الحكمة من كل حدث، بل أن تؤمن أن للحكمة وجودًا، وإن غابت عن بصرك
قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
سورة الإنسان [30]
فالله لا يقدّر شيئًا عبثًا
وكل ما يجري بعلمه وحكمته، حتى وإن عجزت عقولنا عن إدراكها في اللحظة نفسها
وفي النهاية...ليست كل الأبواب التي أُغلقت في وجهك خسارة وليست كل الطرق التي مُنعت منها شرًا وربما أكثر ما يؤلمك اليوم هو أكثر ما سينقذك غدًا
قصة موسى والخضر لم تُكتب فقط لتروي لنا حدثًا تاريخيًا
بل لتعلّمنا أن الإنسان محدود النظر، وأن الله كامل العلم
فإذا ضاقت بك الدنيا، وتساءلت: “لماذا حدث هذا؟”
فتذكّر قول الخضر: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾
وربما لا تعرف الحكمة اليوم لكنك ستعرف يومًا أن الله لم يكن يختار لك إلا الخير
من عرف أن الله حكيم، هان عليه ما لم يفهمه



إبدعتي في طريقة سردك للمعلومات، جزاك الله خيراً على ما قدمتي، إستمري
إلى الأمام 🦸
ابدعتي بارك الله فيك